ابن أبي أصيبعة
14
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
عظيم الإعجاب بهم وكان الإغريق يعرفون اسم أمحوتب رب الحكمة في مصر القديمة ونقلوا عن الطب المصري كثيرا من العقاقير كما نقلوا آلات الجراحة بغير تبديل . . . . وكانت أهم العلامات المميزة للطب عند قدماء المصريين صلته بالدين « 1 » ، فكان هناك عدة آلهة لشفاء الأمراض . وكان نصير الأطباء هو الإله « توت » وكانت الإلهة « إيزيس » يتضرع إليها لشفاء الأمراض المستعصية . وقد امتدت عبادة إيزيس أيام الإمبراطورية الرومانية وشملت العالم الغربى كله وكانت تمثل بشكل سيدة جالسة وأحيانا وهي تحمل ابنها حورس على ذراعيها . . . وإن المتصفح للبرديات الطبية يظن لأول وهلة أن الطب المصري القديم كان تحت تأثير السحر والرقى التعاويذ ، نظرا لتكرار الأدعية بها ولكن الحقيقة غير ذلك ، أنه لا يمكن قطعا علاج قدم به كسر بواسطة السحر والرقى ، إنما يمكن شفاء مرض باطني بهذه الطريقة ، لأن أي تغيير في حالة المريض العقلية تؤثر بدورها على حيوية الجسم في مقاومة المرض وبالتالي شفائه . . . وكان الكهنة أول من مارس مهنة الطب ، ثم نشأت فئة الأطباء من غير رجال الدين ، ثم انقسمت هذه الفئة إلى درجتين إحداهما وسيلتها السحر والشعوذة ، أما الثانية فكانت تعتمد في علاجها على العقاقير والجراحة وظهر فيها الأخصائيون . . . وإلى الكهنة يرجع الفضل في إدخال كثير من الوصفات الصحية بحجة الدين . مثل حظر أكل لحم الخنزير والبجع والصيام أربعون يوما كل عام مع تجنب العلاقات الجنسية ، وتعاطى السلامكى كشربة مرة كل شهر والاستحمام يوميا وإزالة الشعر الذي ينمو على الجسم . . ومن أطباء مصر القديمة المعروفين « امحتب » رئيس مهندسي العمارة في عصر الملك « زوسر » أحد ملوك الأسرة الثالثة المصرية التي يرجع تاريخها إلى القرن التاسع والعشرين قبل الميلاد . . . وعلى ضفاف النيل سارت صناعة الطب بطيئة بعض الشئ لكنها سرعان ما نمت في عهد المملكة الوسطى وأول عهد المملكة الحديثة ، مما جعل العلماء يفدون إلى مصر لينهلوا من علمها ويطّلعوا على المراجع الهائلة بمكتبة منف ومن أبرز من زار مصر من العلماء والأطباء والفلاسفة أبقراط وفيثاغورث وأفلاطون .
--> ( 1 ) أبادير ، فهمي ، من تاريخ الطب عند العرب ، طبعة القاهرة ، ص 13 .